منذ انطلاقة الثورة ، توجدت العديد من حلقات النقاش ، هنا و هناك ..من مدونات الى صفحات الفايسبوك ... حول مسائل سياسية و قانونية .. لعلّ اهمّها دور النخبة السياسية في الحركة الاحتجاجية ، غيابها من حضورها ، حضورها الايجابي من السلبي ، تجاوز وتيرة الشارع لاستيعاب النخبة السياسية ، تأخّرها في صياغة البرامج و المواقف و تحديد المهمات ...الخ
دارت كذلك بعض النقاشات حول مسائل قانونية ، خاصة ليامات لخّرة في خصوص الفصل 42 المنقّح اللي ينصّ على تمتــّـــــع الرئيس بحصانة قضائية خلال و بعد مدّته ، على خلفية بطاقة الجلب الدولية اللي صدرت في "زين العابثين بن علي" كيما كان يحلو لوالدي يرحمو انّو يسمّـــيه
في وسط هاذا الكل .. لاحظت ثمّة استهلاك مجاني و غير دقيق لمصطلح معيـّن في توصيف بعض المواقف مما حدث ، هو مصطلح "الشعـبـــويّة" ـ
انا رجعت للمفهوم هاذا ، في دلالاتو الاصطلاحية و السياسية و التاريخية ، و الحق ما لقـيـتــــش ضرورة لاستعمالو في توصيف ما وقع في بلادنا في مراحلو الكل ، سواء منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية ، سواء بعد تناميها و تحوّلها الى مدّ ثوري ، سواء في الحركة الاعتصامية متاع ما بعـد 14 جانفي
توصيف الدعوة الى اسقاط الحكومه الحالية ، عبر تخلّى رموز النظام القديم فيها على حقائبهم ، و الدعوة الى حل المنظمة الارهابية اللي إسمها : "التجمّع الدستوري الديمقراطي" .. توصيف هاذا الكل بالـ"دعاوي الشعبوية" أمر ما يستقيمش في تصوّري ، خاصة وقت اللي يصدر من ناس مشهودلها بالقدرة على التحليل و القراءة الموضوعية للاحداث و للوقائع ، و اللي يبدو انّهم في حاجة لمراجعه مفهوم "الثورة" و خطوط تــمـَايزو مع مفاهيم اخرى مجاورة ليه : "انتفاضة" ، "انقلاب" .. و من ثمّ .. وضع ما حصل في بلادنا في الخانه الصحيحة ، بما يستدعيه ذلك من استكمال مهام الثورة هاذي ، سواء في العزل و الفصل الكامل للهياكل و الاسس و المؤسسات اللي كان النظام القديم يقوم عليهم .. سواء في استرجاع حياديّة مؤسسات اخرى ، وقع توظيفها لصالح النظام القديم ، عبر ضرب استقلاليتها
المهام هاذي ما يجسّدهاش انقلاب فوقي في اعلى هرم السلطة ، و ما تجسّدهاش انتفاضة او هبّة شعبية من اجل بعض الاصلاحات الجزئية
يعني هنا ضروري التفريق بين خطاب يهدف الى استكمال مهام ثورة على قاب قوسين او ادنى من الغدر ، بكامل مطالبها و محتوياتها السياسية ، و بين الخطاب الشــّـعـبوي
انا نعتبر انّو الخطاب الشعبوي هو هاك الخطاب اللي مأسس على مشاعر شعبية متأجّجه .. يحكمها غضب عرضي وقتي ، او نخوة انتماء عرقي او ديني ، دون ان يستوعبها و يوجّهها و ينقــّـيها من شوائب الوجدانيات و الرومانسيات و يرتقي بها الى مرتبة التأسيس النظري
و هو الخطاب اللي يقدّم للجماهير ما تودّ هذه الاخيرة سماعه ، و ليس ما يحدث على ارض الواقع
و هو الخطاب الذي يلغي قدرة الجماهير على الفعل عبر تضخــيم سلبيتها و انّها "مظلومه" و"مفعول بها "
ننطلقو من الناحية المفهوميّة
مصطلح "الشعبوية" (populisme) في اللغه .. في المنجد .. يتعلّق - فيما يتعلّق- بتوجّه روائي يـُـعـْـنى بالاهتمام بوصف الحياة اليومية للشعب و الاحتفال بوصف تفاصيلها .. و من ثمّ .. توسّع المفهوم و خذا منحى سياسي عام ، اللي هو: التوجّه الى الشعب في الخطاب و في البرامج
نتوقــّــفـو لهنا شويّ ، و نسجّـلو حاجة بسيطه ، انّو - موضوعيا- و انطلاقا من الدلالة الاصطلاحية هاذي لهالمفهوم ، ما ثمّاش ما ينمّ على انّو يشتمل على حاجة من قبيل "الذم" او "القدح" ـ
نرجعو نتعمّقو شويّة في تداعيات المفهوم هاذا السياسية ، و نبحثو على هويّة "الناعت" و "المنعوت" بهذه "السّبّه" ان جاز لنا تسميتها كذلك
في السياق العربي ، مثلا ، يـُـنعَت بالـ "شعبوي" من يقوم بمغازلة الجماهير بخطاب يدغدغ وجدانها المتحمّس بنوع من التملّق.
ثمة زوز كلمات مفاتيح هنا :
1) خطاب
2) الجماهير
يعني ثمّه معطى اساسي هنا ، هو "ذات معينه" تتولـّى تقديم "خطاب" الى "جماهير" ـ
قد يكون الخطاب هاذا حماسي و عاطفي ، يغذّي بعض النعرات العرقية ، و مبني على الشعارات دون برنامج عملي دقيق و واضح
كيما زادا ، قد يكون خطاب موجّه للجماهير ، مستمدّ منها و من قضاياها ، يحتوي على نظرة متبصّرة،جادة،عقلانية ،منسجمه مع الواقع ، و غير قافزة عليه ، وفق برنامج عملي واضح المعالم و قابل للانجاز
دونك ،طبيعي باش الواحد يتسائل : شكوني أقرب جهة يمكن ان تكون لها مصلحة في اطلاق هذا النعت على المجموعات او النخب اللي توجّه "خطابها" للـ "جماهير" ؟ اليست السلطة السياسية الحاكمه ؟ باعتبار التناقض الموضوعي و الحتمي لمصالحها مع الجماهير ، و بالتالي معاداة ايّ خطاب و أي برنامج يقوم على تأكيد و دعم مصلحة الجماهير الاساسية ، و اللي هي : الحرية
ثمّ سخرية السلطة السياسية من "الشعبوية" ، لصالح أش ؟ هل لصالح خطاب آخر اكثر تجذّرا و اكثر نجاعه ، في إسقاطها ؟؟؟ ام انّ كل خطاب موجّه ضدّها ، هو خطاب شعبوي بالضرورة .. إن كان متملّقا للجماهير ، أو مرتقيا بوعيها ؟ ـ
بالتالي مصطلح "الشعبوية" هو مصطلح ملغوم ، يستبطن استعلاء على الجماهير ، و احتقار و تتفيه لاحتجاجاتها و لتجربتها ، على اساس انّها شعوب "محدودة الوعي" و "غير مضمونه" و "لا يجدي معها خطاب التودّد" ، و هنا بالضّبط يجي دور ابواق الدعاية للسلطة الحاكمه
يعني ، و بين قوسين ، ماهوش فقط من قبيل السبّ الاخلاقي وقت اللي نقولو انّو واحد كيما برهان بسيّس هو "بوق دعاية" أو "قلم مأجور" ... و موش من قبيل الصدفه انّو في آخر لقاء ليه على قناة الجزيرة ، استعمل برهان مصطلح "الشعبوية" اكثر من مرّة .. في توصيفــو للاحتجاجات اللي وقتها بدات تخرج على السيطرة ، و بدا هو يفقد معاها في السيطرة على اعصابو ، و ظهر وقتها متوتّر برشه .. اللي هو شي طبيعي ، عبارة على واحد قالولو هزّ ماعون الصنّعه متاعك الكل و برّا روّح .. ماعادش عندك ما تخدم هنا .. و من بين ماعون الصّنعه متاعو : مصطلح "الشعبوية" اللي وقتها نعت بيه الاحتجاجات
كذلك ثمّة خطأ فادح هو اختزال الخطاب الشعبوي في اليسار .. بل وصل الامر بالبعض الى اعتبار الحركة اليسارية ، بتفريعاتها المختلفة هي حركة شعبوية
و الحال انّو الامثلة على عكس الادّعاء هاذا عديدة سواء في التاريخ (الخطاب النازي كان خطابا موغلا في الشعبوية) و في الحاضر (الروح الشعبوية لخطاب التيارات اليمينية المتطرفة الاروبيه .. هولانده ابرز مثال )
لكن السياق الاهم - تاريخيا- (في تصوّري) اللي وقع فيه استعمال مصطلح "الشعبوية" هو الصراع اللي دارت رحاه داخل الحركة الشيوعية العالمية ، في الخمسينات اساسا ، ما بين الستالينية و الماويّة ، إذ ْ فيما كانت الماوية تتهم في الستالينية بالـ"تحريفية" ، كانت هذه الاخيرة تتهم في الماوية بالـ"شعبوية" .. و الامر هاذا يتعلّق بمسائل جزئية و فرعية و بالمواقف من "الحزب الثوري" و "من هي القوى الاساسية في الثورة" ؟ العمال ام الفلاحون ؟" و "تقديس العفوية" و "تقديس الحركة على حساب النظرية" ... الى غيرها من الجزئيات .. و منها .. توصيف حركات التحرر اللاتينية بالشعبوية .. نظرا لمرجعياتها الماوية
و مهما يكن من أمر ، و باعتبار انّو موش هاذا المقصود بنعت الـ"شعبوية" اللي يتردد هالنهارين في سياق بعض المواقف من قضايا الثورة التونسية
و باعتبار كذلك انّو كيما تم توضيح انّو المطالبه باسقاط رموز النظام القديم هو من قبيل استكمال لمهام ثورة مهددة بالسرقة ، و موش انقياد و انصياع لمطالب شعبيه غير ناضجة .. يبقى توصيف الحركة الاعتصامية لما بعد 14 جانفي بالـ"شعبوية" .. توصيف فيه الكثير من المغالاة وعدم الدّقــّـــه
شعب كيف شعبنا العظيم و الذكي ، عينيه محلوله عالدنيا الكل ، وقع حرمانو لعـقود من اساليب التعبير البديهية و الطبيعية ، من الشرعي انّو وقت اللي يسترجع الحق هاذا .. و يفتكّو افتكاكا ، باش يستعملو للاخر .. و موش باش يتقسّط فيه .. شي طبيعي .. اللي على وشك الموت عطشا في الصحرا .. و تتمدّلو دبوزة ما .. وقتها ما يفكّرش طبــّــيـّــًـا في انّو يبدا يبلّ في فمو و لسانو بالطّريّف بالطــّريـّف قبل ما يشرب دفعة وحدة .. لا .. يفكـر غريزيا في حاجة وحدة : الارتواء = الحياة






